توفيق أبو علم
157
السيدة نفيسة رضي الله عنها
حرم جدّها المصطفى صلى الله عليه وآله ، فاشتدّ ذلك على أهل مصر ، وشقّ عليهم أن تفارقهم وقد لمسوا نفحاتها ، وعرفوا هداها وتقواها ، وما أفاضه اللَّه تعالى عليها من فيوضات ، وما يحيطه بها من تجلّيات ومشاهدات ، فالتمسوا منها العدول عن عزمها ، ورجوها البقاء بين ظهرانيهم ، فأبت عليهم طلبهم ، وصارحتهم بأنّها تريد انفرادها لعبادة ربّها ، ولا يشغلها منهم شاغل ، ولمّا رأوا منها إصراراً على مغادرة الديار ، ولّوا وجوههم نحو والي مصر السري بن الحكم بن يوسف « 1 » . وكان آل السري يُكبرون السيدة نفيسة ويعظّمونها ، ويكثرون من زيارتها وتعهّدها ، ويعرضون عليها خدمتهم إيّاها ، وما أن ذهبت جمهرة من محبيّها إلى السري يخبرونه بعزمها ، ويسألونه أن يتوسّل إليها في العدول عن عزمها ، فانتقل السري إليها يستعطفها ويرجو بقاءها بمصر ، فقالت : إنّي كنت قد اعتزمت المقام عندكم ، غير أنّي امرأة ضعيفة ، وقد تكاثر الناس حولي ، وأكثروا من زيارتي ، فشغلوني عن أورادي ، وجمع زادي لمعادي ، غير أنّ منزلي هذا يضيق بهذا الجمع الكثيف والعدد الكثير ، وقد زاد حنيني إلى روضة جدّي المصطفى صلى الله عليه وآله ، فقال لها السري : يا ابنة رسول اللَّه ، إنّي كفيل بإزالة ما تشكين منه ، وسأُمهّد لك السبيل ، وأُهيّئ لك ما فيه راحتك ورضاك ، أمّا ضيق المنزل فإنّ لي داراً واسعة بدرب السباع ، وإنّي أُشهد اللَّه تعالى أنّي قد وهبتها لك ، وأسألك أن تقبليها منّي ، ولا تخجليني بردّها عليّ ، فقالت بعد سكوت طويل : إنّي قد قبلتها منك ، ثم قالت : يا سري ، كيف أصنع بهذه الجموع الكثيرة ، والوفود الغفيرة ؟ فقال : تتّفقين معهم على أن يكون للزوّار في كلّ جمعة يومان ، وباقي الأسبوع تتفرّغين لعبادتك وخدمة مولاك ، فاجعلي يومي السبت والأربعاء للناس ، فقبلت منه
--> ( 1 ) السريّ بن الحكم بن يوسف ، مولى بني ضبة ، وأصله من بلخ ، وقد ولي إمرة مصر بإجماع الجند وأهل مصر على الصلاة والخراج معاً ، وذلك في مستهلّ شهر رمضان سنة مائتين بعد عزل المطلب بن عبداللَّه الخزاعي عنها ، وقد سكن العسكر على عادة أمراء مصر . وكان السريّ أميراً جليلًا ، معظّماً في الدول وفي الأعمال ، وتنقّل في البلاد ، وقد توفّي سنة خمس ومائتين ، فولي ابنه محمد إمرة مصر بعد وفاة أبيه ، فكان على غرار أبيه إلى أن توفّي سنة ست ومائتين ، فوليها أخوه عبداللَّه بن السريّ ، وقد بقي في ولايته إلى أن عزله المأمون في ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين . ( منه )